أعداد سنوية | أعداد سابقة | عن المجلة | إتصل بنا
 
 
عدد أبريل السنة 2007
موت المسيح في الإنجيل - دراسات في إنجيل يوحنا
تكبير خط المقالة تصغير خط المقالة

«خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب» (يوحنا 11: 50)

سنتحدث بنعمة الرب في هذا العدد عن نبوة قيافا رئيس الكهنة عن موت المسيح.  وخلفية النطق بهذه النبوة كانت المعجزة العظيمة التي عملها المسيح أمام شهود كثيرين، إذ - بمجرد كلمة منه - أعطى الحياة لميت كان قد دفن وأنتن.  والرب بعد أن أقام لعازر، طلب من المحيطين به أن يحلوه من أكفانه، فتبرهن لهم بذلك أنهم لا يتعاملون مع شبح أو خيال، بل مع جسد حقيقي أقيم لتوه من الأموات. 

ثم تطورت الأحداث، فنطق رئيس الكهنة بشهادة عظيمة عن ضرورة موت المسيح وأهميته ومعناه، وأثبتت الأيام التالية أنها كانت نبوة، تجاوزت بكثير مدارك الذي نطق بها.

موقف اليهود من أعظم معجزات المسيح
ماذا كان موقف اليهود أمام معجزة المسيح العظيمة التي فيها أقام لعازر من الأموات؟  يخبرنا الوحي أن هذه المعجزة قسمت اليهود إلى فريقين، فريق آمن بالمسيح، وفريق آخر ذهب إلى الفريسيين وأخبرهم بما فعل يسوع (ع45، 46).  فحتى الآيات، هي للبعض رائحة موت لموت، وللآخرين رائحة حياة لحياة (2كو 2: 16).

في مناسبة أسبق، عندما فتح الرب عيني مولود أعمي (يوحنا 9)، لم يكتفوا بأن يذهبوا إلى الفريسيين ليخبروهم بما حدث، بل إنهم ذهبوا بالرجل المعني إلى الفريسيين، ليروا ماذا يقولون فيه.  ومن هذا نفهم أن اليهود كانوا يتمنون تكذيب هذه المعجزات، ولكنهم لم يستطيعوا لوضوحها الشديد، فاستعانوا بخبثاء أقدم منهم، متمرسين في الدهاء عنهم، لعلهم يجدون لديهم حيثيات لرفضها تكون قد غابت عنهم، ولكن هؤلاء أيضًا عجزوا. 

لقد كانت آيات المسيح كثيرة، وكانت تجرى أمام شهود كثيرين، وكلها تبرهن مسياويته ولاهوته، وكان إنكارها ضرب من المحال.  ولو كان هناك أدنى ثغرة في الآيات التي عملها المسيح لكان اليهود المعاصرين هم أول من أنكروها، وأثبتوا زيفها.  على أن ما لم يجرؤ عليه أشرار عصر المسيح، أتى صدوقيو العصر الحاضر، من رجال اللاهوت الليبرالي، وبكل وقاحة أنكروا المعجزات التي عملها المسيح، بعد حوالي ألفي سنة من حدوثها، واعتراف أعدائه بها!

ولقد عقد رؤساء الكهنة والفريسيون اجتماعًا طارئًا للسنهدريم، ليبحثوا في الأمر. وتعليقهم الذي قدموه على معجزات المسيح يحتاج منا إلى تعليق.  لقد قالوا: «ماذا نصنع؟ فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة».  وكنا نتوقع أن يقولوا بعدها ما معناه: ”هذا دليل على أنه مرسل من الله. وينبغي علينا فورًا أن نقبله ربًا على حياتنا“ (قارن يوحنا 3: 2).  لكنهم بدل ذلك، قرروا التخلص منه بأي ثمن!

يا لعمق شر الإنسان! يا لعظم خداعه!  حقًا إن عدم الإيمان محصن ضد الحقائق المنطقية، وضد الاستدلال الطبيعي.  ومن هذه البشارة بالذات نعلم أن الرب يسوع لم يفاجئ بهذا الرفض الغبي، فمن البداية عندما عمل الآيات وآمن كثيرون باسمه، يقول الوحي: «لَكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ، وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجاً أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ» (يو 2: 24، 25).  بل لقد أزاح المسيح الستار مسبقًا عن هذا الأمر في لوقا 16، في قصة الغني ولعازر. إذ ذكر أن الغني طلب من إبراهيم أبيه أن يرسل لعازر المسكين إلى إخوته، ليشهد لهم، لكيلا يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هذا.  ولقد أجاب إبراهيم على طلب الغني بالقول: «عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ. لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ. فَقَالَ: لاَ يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ. بَلْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يَتُوبُونَ. فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ» (لو 16: 29-31). ».  واللاقت أن الذي قام فعلاً في هذا الفصل يُسمى لعازر.  فهل تاب هؤلاء الأشرار؟ وهل آمنوا؟

وليت الأمر توقف عند حد عدم التوبة وعدم الإيمان، بل لقد ازداد هياج الأشرار، فحاولوا قتل المسيح. وفيما بعد قرروا قتل لعازر أيضًا (12: 10).  وهذا معناه أن الآيات لا تغيِّر قلب الإنسان. إنها لم تغيِّر قلب فرعون أيام موسى، ولا قلب اليهود أيام المسيح.  إن التغيير الحقيقي هو من عمل الروح القدس السري في القلب، لا من عمل المعجزات المبهر أمام العين.

الجلسة الاستثنائية للسنهدريم
يقول الوحي: «فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعًا» (ع47).  ونتعلم من سفر الأعمال أن رؤساء الكهنة كانوا من مذهب الصدوقيين (أع 5: 17). وهم على النقيض تمامًا من الفريسيين (أع 23: 6-10).  لكنهم رغم اختلافهم في كل شيء عن الفريسيين، فإنهم اتحدوا معهم في العداء لمسيح الله.  لقد دفنوا خلافاتهم مع الفريسيين مؤقتًا، من أجل عداوتهم المشتركة لابن الله. وهو ما يذكرنا بما كان بين بيلاطس وهيرودس، وكيف وحَّد صلب المسيح بينهما (لو 23: 12). ومنذ ذلك الوقت كم وحد المسيح والإنجيل أناسًا أشرارًا من مشارب شتى!

إنهم في تآمرهم تمموا قول النبوة، التي طالما رددوها وهم لا يفهمون معناها: «لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل؟ قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه قائلين: لنقطع قيودهنا وبنطرح عنا ربطهما» (مز 2: 1-3). 
ومجمع السنهدريم عندما اعترف بأن المسيح يعمل الكثير من المعجزات، فإنهم بهذا أصبحوا شهودًا ضد أنفسهم.  وهو ما ذكره المسيح عنهم بعد ذلك بوقت وجيز، إذ قال: «لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ جِئْتُ وَكَلَّمْتُهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ وَأَمَّا الآنَ فَلَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي خَطِيَّتِهِمْ... لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عَمِلْتُ بَيْنَهُمْ أَعْمَالاً لَمْ يَعْمَلْهَا أَحَدٌ غَيْرِي لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوْا وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي» (يو 15: 22-24).  نعم لم تكن تعوزهم الأدلة، بل أعوزهم الإخلاص. فاتخذوا من براهين مسياويته أسانيد لرفضه، وبالتالي لهلاكهم.
لقد كان تقديرهم أن المسيح لو استمر يواصل مسيرته دون تدخل منهم، سيؤمن الجميع به، فتكون النتيجة أن يأتي الرومانيون ويأخذون موضعهم (ع48).  ومن هذا نفهم أن الله لم يكن له مكان في حساباتهم، بل كان يسود مناقشاتهم عدم الإيمان والجهل بالإضافة إلى الرياء.  نعم ساد مناقشاتهم الجهل، فمتى كان المسيح مناوئًا للامبراطورية الرومانية؟ ومتى تحداها؟  ثم يا لعدم الإيمان! فإن كان الفلسطينيون لم يستطعوا أن يقفوا أمام داود، فهل كانت الامبراطورية الرومانية - مهما سمت عظمتها وقوتها - لتقف أمام ابن داود، أو تقوى عليه؟

لقد طنوا أنهم برفضهم له سيُكتب لهم السلامة، وينعمون بالأمان. ما أحمق فكرهم!  هم قالوا: ”لو آمن به الجمع سيأتي الرومان ويأخذون أمتنا وموصعنا“، فلما صلبوه، أتى الرومان بعد أربعين سنة، وأخذوا أمتهم وموضعهم، ودمروا مدينتهم وهيكلهم، وشتتوهم في كل ربوع الأرض. وأما هيكلهم الذي كانوا يفتخرون به (إر 7: 4)، فما زال في خبر كان، من ألفي عام وإلى الآن.

لو تركوا المسيح، بل أقول لو آمنوا به، لبقيت أورشليم إلى هذا اليوم، ولأتت إليها أوقات الفرج من وجه الرب، ولتمتعت بعز أكثر مما كان لها في عصر سليمان الزاهي وأيامه الزاهرة. أما كونهم صلبوا ابن الله، فقد أتى الحصاد الرهيب، ”وإلى النهاية حرب وخرب قُضي بها“ (دا 9: 26).

لقد وصل شرهم الفظيع إلى ذروته هنا. فها هم لا يكتفون بقتلهم أنبياء الله، بل يريدون قتل ابن الله أيضًا.  وهذا ما جعل الملك يغضب، ويرسل جنوده سنة 70 م، ويهلك أولئك القاتلين، ويحرق مدينتهم (مت 22: 7).

لكن بالإضافة إلى الجهل وعدم الإيمان، أظهرت مناقشاتهم الرياء أيضًا.  فلقد ادعوا أن مكانهم في خطر، والحقيقة أن مكانتهم عند الشعب هي التي أضحت في خطر. وهم يذكرونا بديمتريوس صانع الهياكل، الذي ادَّعى أن تعليم الرسول بولس جعل مكانة أرطاميس في مهب الريح، والواقع أنه ما كان يحرص إلا على صناعته الفاسدة، وسعته التي صارت – بعد كرازة الرسول بولس بإنجيل المسيح - في مهب الريح (أع19).

هؤلاء الأفاكين لم يكن حرصهم قط على مصالح رعيتهم، بل على مصالحهم الذاتية.  إنهم الذين سبق أن تنبأ عنهم حزقيال النبي: «وَيْلٌ لِرُعَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَـانُوا يَرْعُونَ أَنْفُسَهُمْ. أَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ الْغَنَمَ؟» (حز34: 2).  ولكنهم كانوا يرعون أنفسهم ويسمنونها ليوم الذبح!

من هو قيافا؟
يخبرنا التاريخ أن قيافا - رئيس الكهنة سنة صلب المسيح - كان مقامًا بإرادة القيصر، وليس بإرادة الله ولا حتى بإرادة الشعب.  إلى هذا الحد وصل التشويش عندما أتى المسيح إلى العالم، وعندما مات المسيح، وبالتالي عندما نحى الرب هذا النظام بأكمله.

ويقول البشير عنه هنا: «قال واحد منهم، كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة»: وعبارة ”واحد منهم“، أي من فريق أعداء المسيح، رافضي النور والحياة. وعبارة: ”رئيسًا للكهنة في تلك السنة“، فقد كان يقصد منها تلك السنة الحاسمة، السنة المصيرية. السنة المعروفة في مقاصد الله من قبل كون العالم. إنها تلك السنة التي كان سيدخل فيها رئيس الكهنة الحقيقي، لا إلى أقداس مصنوعة بيد، أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها (عب9: 11، 12، 24).

لكنها - بالإضافة إلى ذلك - فهي أيضًا السنة التي انتهت فيها رسميًا الخدمة الكهنوتية الطقسية، إذ مزق رئيس الكهنة الأحمق ثيابه، فتمزق كهنوته (لا 21: 10؛ قارن 1صم 15: 27، 28).  كما أن الله مزق الحجاب الذي كان يفصل القدس عن قدس الأقداس، وما عاد يلزم هذه الوظيفة، ولا الأقداس الأرضية كلها.

وقد تعني بالإضافة إلى ذلك أنها السنة التي كانت ستتحقق فيها مئات النبوات التي سبقت عن المسيح.  وكأن الروح القدس قصد أن يضيف نبوة أخرى ينطق بها رئيس الكهنة في تلك السنة العجيبة.

وأما عبارات قيافا التي قالها في هذا الاجتماع، فقد اتسمت بالعجرفة والكبرياء، إذ قال: «أنتم لا تفهمون شيئًا»، أي أنتم أيها الفريسيون لا تفهمون شيئًا.  إنكم تضيعون الوقت بمباحثات لا طائل من ورائها، والخطر داهم أمامنا.  إنكم تريدون أن تثبتوا الذنب على يسوع، ولذلك لا تجدون ذنبًا. ولكنكم لو كنتم تفهمون نظيري، لحسبتم أنه خير لنا أن نضحي بواحد في سبيل الأمة.  ليمت هذا الواحد، سواء كان مذنبًا أم لا. وسواء كان من الله أم لا.  دعنا لا نضيِّع مزيدًا من الوقت، ولنضحي به على أي حال، فلا نضيِّع الأمة بأسرها.  لنقتله فنخلص الأمة من متاعب أخطر، أفضل من أن يعيش فتضيع كل الأمة!
لم يقل قيافا: ”لنعمل على إسكاته بالقوة“، بل يجب أن يموت. وهكذا بكل هدوء أعصاب، وبالدم البارد، يتكلم فياقا عن قتل ابن الله ومسيح الله!

إنه حقًا واحد من أولاد قايين، الذي كان من الشرير، بل إنه أحد أولاد الشرير نفسه، وشهوات أبيه كان يريدون أن يعمل (يو 8: 44).           

(يتبع)

يوسف رياض